ابن أبي العز الحنفي
276
شرح العقيدة الطحاوية
أهل الباطل بعدهم . وعن الحسن البصري رحمه اللّه أنه قال : السّنة - والذي لا إله إلا هو - بين الغالي والجافي ، فاصبروا عليها رحمكم اللّه ، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى ، وهم أقلّ الناس فيما بقي ، الذين [ لم ] يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم ، ولا مع أهل البدع في بدعتهم ، وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم ، فكذلك فكونوا . وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة ، إلى الأغذية الضارة ، وعدوله عن دوائه النافع ، إلى دوائه الضار . فههنا أربعة أشياء : غذاء نافع ، ودواء شاف ، وغذاء ضار ، ودواء مهلك . فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي ، على الضارّ المؤذي ، والقلب المريض بضد ذلك . وأنفع الأغذية غذاء الإيمان ، وأنفع الأدوية دواء القرآن ، وكل منهما فيه الغذاء والدواء ، فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضلّ الضالين ، فإن اللّه تعالى يقول : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ فصلت : 44 . وقال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً الاسراء : 82 . و « من » في قوله : « من القرآن » لبيان الجنس ، لا للتبعيض . وقال تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ يونس : 57 . فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية ، وأدواء الدنيا والآخرة ، وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به . وإذا أحسن العليل التداوي به ، ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تامّ واعتقاد جازم واستيفاء شروطه : لم يقاوم الداء أبدا . وكيف تقاوم الأدواء كلام ربّ الأرض والسماء ، الذي لو نزل على الجبال لصدعها ، أو على الأرض لقطعها ؟ ! فما من مرض [ من أمراض ] القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه ، لمن رزقه اللّه فهما في كتابه . وقوله : لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سرّا كتيما . أي طلب بوهمه في البحث عن الغيب سرا مكتوما ، إذا القدر سر اللّه في خلقه ، فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب ، وقد قال تعالى : عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً . إِلَّا